محمد متولي الشعراوي

6001

تفسير الشعراوى

إذن : فالموعظة هي نوع من التربية جاءت من ربكم المأمون عليكم ؛ لأنه هو الذي خلق من عدم وأمدّ من عدم ، ولم يختص بنعمة الربوبية المؤمنين فقط ، بل شملت نعمته كل الخلق . إذن : فالموعظة تجىء ممن يعطى ولا ينتظر منك شيئا ، فهو سبحانه منزّه عن الغرض ؛ لأنه لن ينال شيئا منك « 1 » فأنت لا تقدر على شئ مع قدرته سبحانه . والموعظة القادمة بالمنهج تخصّ العقلاء الراشدين ؛ لأن حركة العاقل الراشد تمر على عقله أولا ، ويختار بين البدائل ، أما حركة المجنون فهي غير مرتّبة ولا منسّقة ، ولا تمر على عقله ؛ لأن عقله مختل الإدراك وفاقد للقدرة على الاختيار بين البدائل . ولكن لماذا يفسد العاقل الاختيار بين البدائل « 2 » ؟ إن الذي يفسد حركة اختيار العاقل هو الهوى ، والهوى إنما ينشأ مما في النفس والقلب ؛ ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها : قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ . . ( 57 ) [ يونس ]

--> ( 1 ) وقد أعطانا القرآن مثالا لهذا عن الهدى الذي يذبحه الحجيج ، فيقول سبحانه : لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ( 37 ) . [ الحج ] . ( 2 ) بدل الشئ غيّره ، وبدل الكلام : غيره وحرفه ، قال تعالى : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 59 ) [ البقرة ] أي : غيروه بكلام آخر ، ويقول عمل السوء ، وأبدله الشئ من الشئ ، وأبدل الشئ بالشئ جعله بدلا منه ، وتبدل الشئ بالشئ ومن الشئ جعله بدلا منه ، كقوله تعالى : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ( 52 ) [ الأحزاب ] .